ذوقني  ونذوقك... حين كان 'الصحن الطائر' رسول المحبة بين الجيران

ذوقني ونذوقك... حين كان 'الصحن الطائر' رسول المحبة بين الجيران


عادة "ذوقني ونذوقك"، تلك الشعيرة الاجتماعية التي جعلت من موائد الجزائريين مائدة واحدة ممتدة، بدأت اليوم تخبو وتتوارى خلف أبواب الشقق الموصدة، لتتحول من طقس يومي إلى ذكرى يحن إليها الأجداد.


ذاكرة "الصحن الدوّار".

لم تكن العادة مجرد تبادل للأكل، بل كانت تجسيداً لمبدأ "لا يشبع مؤمن وجاره جائع". في شهر رمضان تحديداً، كان قبيل المغرب يشهد ماراثوناً صغيراً للأطفال وهم يتنقلون بالصحون المغطاة بمناديل مطرزة بين البيوت.

 "كنا لا نعرف ماذا سنأكل حتى يرفع الأذان، لأن طاولة الفطور كانت تكتمل بفضل صحون الجيران"، 


تقول خالتي عائشة "75 سنة" وهي تتنهد بحسرة.

، كانت البركة في القليل. إذا طبخت 'شربة' أرسل لجارتي، وهي ترسل ل"'بوراك" أو "لحم حلو" لم يكن الصحن يعود فارغاً أبداً، فمن العيب في عرفنا أن نرد الصحن لصحبه فارغاً، كنا نضع فيه حبات تمر أو حلوى أو حتى كسرة خبز سخونة.. كانت القلوب مفتوحة قبل الأبواب."

جدران عالية.. وقلوب متباعدة

مع تغير النمط العمراني وانتقال العائلات إلى الشقق الحديثة، بدأت هذه العادة بالتلاشي. الروابط الاجتماعية التي كانت تشد الجار لجاره تراخت، وحلّت "الفردانية" محل "الجماعة".

الخالة فاطمة 82 سنة تسكن اليوم في عمارة حديثة، ترى أن "النية" هي التي ذهبت تقول متحسرة 

"اليوم، أسكن في هذه العمارة منذ سنوات ولا أعرف حتى اسم جاري الذي يقابلني في الرواق. في وقتنا، كان الجار بمثابة الأخ، كنا نتذوق "ملح بعضنا البعض" لكي لا يفرقنا أحد. أما الآن، فالكل خائف من الكل، والناس تتحجج بضيق الوقت أو الخصوصية. أحياناً أطبخ أكلة تقليدية وأتمنى لو أطرق باب جارتي، لكني أتردد.. أخاف أن يسيئوا فهمي أو يعتبروني متطفلة."




الخوف من "الريحة" والجار الجائع


كانت الأمهات قديماً يحذرن أبناءهن من رفع صوت الطبخ أو السماح للرائحة بالخروج دون إرسال "الذواقة"، خوفاً من أن تكون الجارة "توحم" أو أن يكون الجار فقيراً يشتهي ولا يجد. كانت "ذوقني ونذوقك" هي شبكة الضمان الاجتماعي الفطرية التي تمنع الجوع قبل وقوعه.

اليوم، ومع هيمنة نمط الحياة السريع، وتغير الهندسة المعمارية التي جعلت الجار مجرد رقم في شقة مجاورة، تراجعت هذه العادة لتصبح "فلكلوراً" يحكى في المسلسلات. 

لم تعد الصحون تطرق الأبواب، وحلّت مكانها تطبيقات التوصيل التي تجلب الطعام لشخص واحد، خلف باب مغلق، في صمت اجتماعي مطبق.


إن رحيل عادة "ذوقني ونذوقك" ليس مجرد فقدان لطبق كسكسي أو شوربة، بل هو مؤشر على جفاف العاطفة الاجتماعية. وبينما يترحم كبار السن كالخالة عائشة وفاطمة على "زمن النية"، يبقى السؤال معلقاً: هل يمكن للتطور أن يعيد لنا دفء تلك الصحون؟ أم أننا سنكتفي بالحديث عنها كقصص من أساطير الأولين؟

يبقى "الصحن الجزائري" شاهداً على زمنٍ كان فيه الجار يشم رائحة وجع جاره قبل رائحة طعامه، زمنٍ كانت فيه البركة تسكن في "الصحن الدوّار".


الأخصائية حورية مقفوجي: الفردانية وضعف الثقة وراء تراجع تبادل الطعام بين الجيران


أكدت الأخصائية الاجتماعية حورية مقفوجي في تصريح لعين الجزائر، أن تبادل الطعام بين الجيران يُعد من الموروثات الثقافية والدينية والاجتماعية الراسخة في المجتمع الجزائري، حيث شكّل عبر عقود طويلة مظهرًا من مظاهر التكافل والتآزر وروح الجماعة.


 وأوضحت أن هذه الممارسة كانت قائمة على الثقة المتبادلة، وأسهمت في تعزيز التعارف والشعور بالأمان والانتماء إلى الحي، كما حملت رمزية عميقة مفادها أن الطبق المتبادل بين الجيران يعكس العيش المشترك والتضامن، وليس مجرد التجاور السكني.


وأضافت المتحدثة أن هذه العادة الجميلة شهدت تراجعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، حيث قلّ تبادل الأطباق وضعفت الزيارات العفوية، ليكتفي كثير من الأفراد بعلاقات شكلية تقتصر على التحية العابرة، وأحيانًا حتى هذه التحية تغيب، مما حوّل الجيرة من علاقة مترابطة إلى مجرد تجاور سكني.


وأوضحت مقفوجي، من الناحية السوسيولوجية، أن هذا التحول يرتبط بالانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث؛ ففي الماضي كانت العلاقات الاجتماعية مباشرة وقوية، وكان الأفراد يعيشون ضمن بيئات متقاربة تجمعهم صلات القرابة أو المصاهرة والانتماء إلى نفس الدشرة والأصل، ما جعل التعارف والتواصل أمرًا طبيعيًا ويوميًا.


أما اليوم، فقد فرض النمط العمراني الحديث واقعًا مختلفًا، حيث لا ينتمي السكان بالضرورة إلى نفس البيئة الاجتماعية، وأصبح المجتمع يتسم بالفردانية والاستقلالية.


وأكدت أن هذا النمط قلّص الاحتكاك اليومي بين الناس، ما أدى إلى ضعف التعارف، وحتى عندما يحدث، فإنه يبقى حذرًا ومحدودًا.


كما أشارت إلى أن مفهوم الجار تغيّر، حيث لم يعد يُنظر إليه كجزء من الشبكة الاجتماعية، بل كشخص يسكن بالجوار فقط. 


وقالت إن تغير نمط الاستهلاك، خاصة خلال شهر رمضان، أسهم بدوره في هذا التحول، إذ أصبح التركيز على تنوع المائدة والتصوير والنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي وصناعة “الترند”، مما جعل المجتمع أكثر ارتباطًا بالعالم الرقمي على حساب العلاقات المباشرة.


وأضافت أن الغذاء انتقل من قيمة تضامنية إلى قيمة استعراضية، حيث أصبح البعض يستعرض ما يتناوله بدل مشاركته. كما لفتت إلى عوامل أخرى مرتبطة بوتيرة الحياة المتسارعة وضغوط العمل، خاصة بعد خروج المرأة للعمل، الأمر الذي صعّب أحيانًا التوفيق بين الالتزامات المهنية والحياة الأسرية، وأدى إلى ضعف شبكة العلاقات الاجتماعية، بدءًا من العلاقات الأسرية وصولًا إلى العلاقات الجوارية.


وأشارت المتحدثة إلى عامل آخر أكثر خطورة يتمثل في تراجع الثقة الاجتماعية، حيث تعيش العديد من الأسر حالة من التخوف المرتبط بالحسد والعين وسوء الفهم، وهو ما ساهمت بعض المضامين المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في تغذيته، حتى داخل الأسرة الواحدة، مما أدى إلى تآكل الثقة بين الأفراد.


وأكدت مقفوجي أن ضعف الوازع الديني وتراجع القيم التضامنية أسهما كذلك في إضعاف روح الجماعة والتآزر، مشيرة إلى أن تعاليم الدين الإسلامي شددت على مكانة الجار وأهمية التكافل الاجتماعي.


وختمت بالقول إن المجتمع يشهد تناميًا في الشعور بالوحدة نتيجة النزعة الفردية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على نقل القيم التضامنية للأجيال القادمة. ورغم انتشار موائد الإفطار الجماعية وإفطار عابري السبيل التي تتكفل بها الجمعيات، شددت على أن العلاقة بين الجار والجار تبقى الأساس في ترسيخ التضامن الاجتماعي والحفاظ على تماسك المجتمع.

صبرينة بن خريف