اسـتـعـدادات الـبـيـت الــتـلـمــسانـي لــشــهـر رمـضــان الـمــبارك
- الصحفي ل. عـبــد الــرحــيم --
- 2026-02-17 --
- 14:07:33
هــذه طـقـوس وأســرار
تـــحضـيــر الأطــبـاق...تنظيف المساجـد وتـعطيرها
عـشية حلول رمضان المبارك استنفرت العائلات بمدينة تلمسان العريقة، كل قواها، في رحلة
تحضيرية لا تشبه غيرها من شهور السنة، حيث يسود اعتقاد راسخ لدى النساء، بأن
استقبال شهر رمضان يتطلب طهارة مادية للمكان، توازي الطهارة الروحية للصائم. تنطلق
هذه الطقوس بما يسمى بـحملة التنظيف الكبرى، والتي تبدأ عادة بتهوية البيت بشكل
كامل، وتجريد الغرف من كل أثاثها المعتاد، ففي الأحياء العتيقة من تلمسان، وصولا
إلى الأحياء الحديثة، لايمر يوم من أيام شعبان دون أن ترى الشرفات مزينة بالزرابي
والستائر المغسولة، حيث يتم تنظيف الجدران وتجديد طلاء بعض الزوايا، وتلميع
الأواني النحاسية والفخاري، التي تُعد فخراً للبيت التلمسانـي، كما لا يقتصر
التغيير على النظافة فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة هندسة ديكور المنزل، حيث يعاد
ترتيب الأثاث بشكل يبعث على الراحة النفسية، مع تخصيص ركن الصلاة الذي يعد أقـدس
زاوية في البيت خلال هذا الشهر، إذ يفـرش بالسجاد الفاخر، وتوضع فيه الفوانيس
الرمضانية المضيئة، التي تضفي جوا من الروحانية والسكينة، وتعطر الأرجاء بالبخور
والروائح الطيبة، التي تلازم البيت التلمساني طيلة أيام هذا الشهر الفضيل.
توابل بكل
النكهات تعبّق البيوت التلمسانيـة
ازدحام شــديـد وإقــبال كـبير
تشهـده أسواق ولاية تلمسان عشـية حلول شــهـر رمـضــان المعظم، فالسوق المغـطّاة
بوسط المقاطعة الإدارية مغنية ومحلاّت
بيع التوابل بكل من ساحة أول نوفمبر وشارع تيندوف بوسط المدينة بجانب بعـضها
البعض، أكثر الأماكن التي تشهد حركة متزايدة من المواطنين لشراء
مستلزمات السلع الرمضانية خصوصا في سوق الأواني المنزلية، وسوق التوابل، وسوق
التمور، من خلال جولة قامت بها "عـيـن الجزائر" هي أسواق تعـج بالزبائن سيما من العـنصر النـسوي، قادمين من
مختلف جهات ولايات الوطن من غربها إلى شمالها ومن جنوبها إلى شرقها وحتى من خارج
الوطن المغتربين من فرنسا وإسبانيا، تموشنت، البليدة، الجزائر العاصمة، الشلف،
سيدي بلعباس، غـلـيزان...، حيث تفتح محلات السوق أبوابها من الساعة السابعة صباحا
إلى غاية الـسابـعـة أو الـثامـنة لـيلا مشكّـلة مجموعة من الكثبان الرملية على
شاكلة أهرام متعددة الألوان مزينة وغـنية بالعـطور، زادتها الروائح الزكية
والعطرية للتوابل والبهارات سحرا وجاذبية معروضة ومصطفة بالرفوف بأسعار تنافسية
بالنسبة للتوابل المصنوعة محليا، وهو ما أكده بعض التجار خلال هذا الاستطلاع الذي
قامت به "عـيـن الجزائر"
لعـدد من باعة التوابل محليا وكذا بعض الزبائن حول متوسط كمية التوابل ذكر بعضهم
أن ما يعادل قــيمة 5000 دج من التوابل المتنوعة يقتنيها زبائنهم وفي أحيان كثيرة
حسبهم، وتتراوح أسعار التوابل في هذه المنطقة الحدودية للكيس الواحد 100 دج لــ
100 غرام الواحد لدى محلات بيع التوابل، وأن أكثر التوابل التي تعرف إقـبالا من
طرف السكان المحليين نجد رأس الحانوت، الكمون الأخضر، الفلفل الأسود، الكركم،
الرند، فلفل أحمر حار، القرفة، وهي تستخدم في طبخ العديد من الأطباق المختلفة على
غـرار "الــحـريرة" المشهورة لدى العائلات المغـناوية والتلمسانية،
و"طاجين حلو"...وغـيرها، بالإضافة إلى حـبة الحلاوة، السانوج التي تعتمد
كثيرا في تحضير الخبز التقليدي، خلطة "رأس الحانوت" وهو مزيج من حوالي
عشرين نوعا من البهارات، وتعد هذه المكوّنات جد ضرورية والتي لا تخلو منها أطباق
المائدة الرمضانية للعائلات المغناوية والتلمسانية لتعزيز نكهتها، فضلا عن إضافة
مذاق طيب ومتميز لها وبفعل فوائدها على الصحة أيضا.
ونحن نجول في سوق مغنية قررنا الاقـتراب من بعض تجار التوابل، لنستفـسر عن سرّ هذه الحرفة، فصرّح لنا معظمهم، أن معظم باعة التوابل بمدينة مغنية توارثوا هذه الحرفة أب عن جد، وقد ظهر هذا النشاط ـ حسبهم ـ في السبعينات لكنه بدأ يظهر بشكل كبير وخاص في التسعينات، وكانت مغنية قبلة للعـديد منهم لبيع التوابل كمهنة بديلة في متجر داخل السوق الداخلية على غرار مطاحن أبو عصام للتوابل، مملكة آلاء لتوابل الحاجة مغنية عـند عرباوي...وغيرهم.
السيدة
"فـتـيـحـة" من ولاية البليدة
"هناك
خلطات لايمكن
العثور عليها في أماكن أخرى"
أنـا
الـيوم في مدينة مغنية الواقعة بولاية تلمسان جوهرة الغربي تلمسان جئت من ولاية البليدة...وحقـيـقـة هذه عادة تقريبا كل
سنة أزور مدينة مغنية لأشتري من هنا التوابل فلا يمكن زيارة هذه المدينة دون
المرور على سوق التوابل الذي يضم عددا كبيرا من المحلات والدكاكين المعروفة
بالمنطقة، ومن أجل ذلك قمت بجولة استطلاعية قادتنا إلى أشهر محلات بيع التوابل
وبمجرد أن وطأت قدمي المكان حتى بدأت رائحة العطور تخترق حواسي تلك التوابل التي
وضعـت على شكل أهـرامات زينتها ألوانها وأشكالها...طبعا هناك خلطات لايمكن العـثور عليها في أماكن أخرى، مثل خلطات
السمك، الدجاج والحريرة ومختلف الطواجن...وعـندما أشتري من هنا أنا متأكـدة من أنه
منتج حقيقي لايتم مزجه بمكونات أخرى، أتمنى رمضان كريم للجزائريين وكل الأمة
العربية الإسلامية.
الأوانــــــي
التقليدية لأطباق الإفطار تــــصنع نكهــة مميزة...والجلوس على الأرض
تقليد متوارث للعائلات التلمسانية في رمضان
يمثل
اقـتناء الأواني المنزلية التقليدية خلال شهر رمضان، ولاسيما تلك المصنوعة من
المواد الترابية والطينية بولاية تلمسان تظاهرة مميزة لدى التلمسانيين، لما يمثله
ذلك من عادة أصبحت هذه العائلات تتكيف معها مع حلول كل شهر فضيل، وحتى بعض الأنواع
النحاسية خلال هذا الشهر التي تعرف انتعاشا ملحوظا ورواجا في المبيعات يمتد من شهر
شعبان إلى غاية الأيام الأولى من رمضان.
الزيانيات يتفـنـن في
صناعة هذه الأواني التي تختلف أشكالها من منطقة لأخرى، التي تتشكل فقط من مواد
طبيعية بسيطة خالصة، ويشكل بذلك المزيج المختلط بين التراب والماء وبعض القطع
القليلة من النباتات المكون الرئيسي لإنجازها، وتوكل مهمة إنجازها للنساء
والفـتيات، حيث تشرف على هذا النوع من الأواني فقط أناملهن وإبداعاتهم واللاّئي
توارثناها أمّ عن جدّ ويبدعن فيها إلى أقصى الحدود فنيا وتقنيا، رغم أنهن لا يحزن
على تحصيل علمي ولا على مؤهلات في تكوين الصناعات الخزفية، وبذلك يفتحن ورشات في
بيوتهن المتواجدة في قمم الجبال والمداشر، كما هو الحال بقرى واد الشولي وبيدر
وعين يسر، ويصنعن أصنافا عدة منها وتأتي ما يسمى بالغرفية التي توضع فيها وجبة
الحساء في مقدمات المنتوجات وأيضا طاجين صناعة الخبز التقليدي والقدر بأنواعه، إلى
درجة أن هناك ما هو مخصص للشربة أو الحريرة وما هو مخصص لباقي الأطباق، وما يزيد
في أهميتها أيضا أنها لا تتواجد في كل الأماكن، ممّا يعطيها طابعا خاصا شبيه إلى
حد كبير بالندرة والأواني ذات القيمة الفنية والمالية الهامة.
وتعقب العائلة التلمسانية على
شراء واقتناء هذا النوع من الأواني وذلك لما تتميز به من أشكال وألوان وجمال وليس
هذا فحسب، بل تنظر العائلات التلمسانية في ذلك إلى أن الأمر يتعلق أيضا بفال خير،
كما تجد أمهات البيوت في طبخ المأكولات بهذه الأواني نكهة غير معتادة ولا يضاهيها
أيّ شيء، والتي لن يزيد المنظر جمالا إلا من خلال هذه الأواني التقليدية، خاصة
القـدر والطاجين والإناء وما يعرف بالغرفـيات وبعض اللوازم الأخرى الحاضرة في
موائد إفـطار العائلات المحاطة بأفـرادها كبيرا وصغيرا وعادة ما تختار العائلة
التلمسانية الصيغة التقليدية لذلك من خلال الجلوس على الأرض وعلى الأفرشة بدل
الكراسي، وتقديم الوجبات على مائدة بدل الطاولة.
حفّـاظ قرآن يراجعون وبيوت الله
تتزيـّن
والتّـحضيرات بمختلف المساجد متواصلة
تعـوّد
التلمسانيون حسب عاداتهم وتقاليدهم وفطرتهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم في بدأ
التحضير لشهر رمضان المبارك بدءا من شعبان الذي يعد شهرا للقراء وحفظة كتاب الله
وذلك بما أثر عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، فما تشهده الزوايا في مختلف
الولاية من حركة واسعة والتي تتحول على إثرها إلى خلايا نحل للعدد الهائل من حفظة
كتاب الله الذين يرتادونها من مختلف الولايات قصد المراجعة والحصول على الإجازات
في تجويد القرآن وترتيله والحصول على التزكيات قصد استعمالها في الحصول على الرخص،
وهذا ما حدّثنا عنه أحد الطلبة الوافدين إلى إحدى الزاويا "الطالب أحمد"
الذي قال بأنه حضر إلى الزاوية قصد مراجعة القرآن الكريم والتحضير لصلاة التراويح
والتي يعتبرها فرصة ثمينة لاتعوض بحكم أنه طالب جامعي بكلية طب الحقوق بجامعة
"أبي بكر بلقايد" بتلمسان، ومن هناك تبدأ رحلة بحثهم عن المسجد الذي
يأمّـون فيه الناس لصلاة التراويح، كما أفادت مصادر مطلعة أن الكثير من أئمة
المساجد ومفتشي التعليم القرآني عبر مختلف المقاطعات يقصدون الزوايا، وكتاتيب
تحفيظ القرآن الكريم قصد الظفر بالحافظ حفظا متقـنا.
وما لاحظناه أيضا ونحن نجوب مختلف مساجد ولاية تلمسان بأن بدء التحضيرات لهذا الشهر الفضيل في المساجد تنطلق بشهر على الأقـل، أما العادة السارية في كل الفصول فإنه يبدأ بتنظيف بيوت الله، وفرشها بالسجاد بمختلف ألوانه الباهية والزاهية، وتزينها بالأضواء المختلفة الألوان، وكذا رشّها بمختلف العطور الزكية، تعظيما لهذا الشهر الذي خصه العلي القدير على سائر الأشهر، ومن هذا المنطلق إن صحّ التعبير فإن مختلف مساجد الولاية التي وطئتها أقدامنا وجدناها كلها تسعى حثيثة وبخطى رزينة استعدادا لهذا الشهر الفضيل الذي يحتلّ مكانة خاصة في قلوب أبناء الأمة الإسلامية، خصوصا إذا عرفنا أن أئمة صلاة التراويح الذين تمنح لهم رخص إمامة الناس في هذا الشهر الفضيل يشترط فيهم القراءة برواية ورش عن نافع، هذه الرواية المشهورة والمعتمدة في بلادنا والتي تسهر وزارة الشؤون الدينية ومختلف الهيئات المنضوية تحت لوائها تأهيل حفظة كتاب الله وتدريبهم عليها.
